صيام يوم عاشوراء

صيام يوم عاشوراء

الحمدُ لله الذي شرعَ لعبادِه مواسمَ تُضاعفُ فِيها الحسناتُ، وتُحطُّ عنهم السيئاتُ، مَنْ تقرَّبَ لَه فيها بالأعمالِ الصالحةِ كانتْ رفعةً له في الدرجاتِ، وتكفيراً للسيئاتِ، وبعد؛

فقد روى مسلمٌ عن أبي قتادةَ الأنصاري رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: (( صيامُ يومِ عرفةَ أحْتسِبُ على الله أن يُكَفِّرَ السنةَ التي قبلَه، والسنةَ التي بعدَه، وصيامُ يومِ عاشوراءَ أحتسِبُ على الله أن يُكفِّرَ السنةَ التي قبلَه )).

فجعلَ النبيُّ صلى الله عليه صيامَ يومِ عاشوراءَ -وهو اليوم العاشر من شهر الله المحرم- كفارةً لما اقترفَه العبدُ في السنةِ التي قبلَه.

وبيَّنَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما سببَ تفضيلِ هذا اليومِ واختصاصه من بينِ سائرِ الأيامِ، فقالَ: (( قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ، فوجدَ اليهودَ صياماً يومَ عاشوراءَ، فقال لهم رسولُ الله r: ما هذا اليومُ الذي تصومونَه؟ فقالوا: هذا يومٌ عظيمٌ أنجى الله فيه موسى وقومَه، وغَرِقَ فرعونُ وقومُه، فصامَه موسى شكراً، فنحن نصومُه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنحنُ أحقُّ وأولى بموسى منكم، فصامَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأمرَ بصيامِه )). رواه البخاري، ومسلم.

وَلَمَّا كان اليهودُ يصومونَ هذا اليومَ، أحبَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يخالفَهم؛ بأن يصومَ يوماً قبلَه أو يوماً بعدَه. فروى مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (( حينَ صامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ عاشوراءَ وأمَرَ بصيامِه، قالوا: يا رسولَ الله إنه يومٌ تُعظِّمُه اليهودُ والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا كانَ العامُ المقبلُ -إنْ شاء اللهُ- صُمنَا اليومَ التاسعَ. قالَ: فلم يأتِ العامُ المقبلُ حتَّى تُوفيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم )).

قال الحافظُ ابن حجرٍ في فتح الباري: (( وهذا كانَ في آخِرِ الأمرِ، وقدْ كانَ r يحبُّ موافقةَ أهلِ الكتاب فيما لم يؤمرْ فيه بشيءٍ، ولاسيما إذا كان فيما يخالِفُ فيه أهلَ الأوثانِ، فلمَّا فُتِحتْ مكةُ واشتهرَ أمرُ الإسلامِ، أحبَّ مخالفةَ أهلِ الكتابِ أيضاً ... فوافقَهم أولاً، وقال: نحن أحقُّ بموسى منكم، ثم أحبَّ مخالفتَهم فأمرَ بأن يُضافَ إليه يومٌ قبلَه ويومٌ بعدَه خلافاً لهم )).

وقال ابنُ القيمِ في زاد المعاد: (( فمراتبُ صومِه ثلاثةٌ، أكملُها أنْ يصومَ قبلَه يومٌ وبعدَه يومٌ، ويلِي ذلك أن يُصامَ التاسع والعاشر، وعليه أكثرُ الأحاديثِ، ويلي ذلك: إفرادُ العاشرِ وحدَه بالصومِ )).

قلت: ويزداد تأكيد صيام الثلاثة الأيام عند الشك في التأريخ بسبب عدم الاعتناء بتحري هلال شهر المحرم.

ألاَ فاحْرصُوا رحمكم الله على صيامِ هذا اليومِ العظيمِ، تأسياً بنبيكم r، وطلباً لتكفير الذنوب، تقبل الله منا ومنكم.